مأثرة الرقمية

علي بن الجهم

شاعر عباسي اشتهر بقصيدته «عيون المها بين الرصافة والجسر»، وفيها يتجاور الغزل الحضري مع المكان البغدادي والصورة الرقيقة.

شاعرالعصر العباسي

يمثل علي بن الجهم صوتًا عباسيًا تتجلى شهرته في الغزل الحضري الرقيق، ولا سيما في قصيدته «عيون المها بين الرصافة والجسر». وتمتاز هذه القصيدة بربط العاطفة بالمكان البغدادي، وبجعل الرصافة والجسر فضاءً تنبعث منه حركة الشوق.

وتعد القصيدة من أشهر شواهد الغزل العباسي؛ إذ تجمع بين رقة العبارة، ووضوح المشهد، وانتقال الشاعر من وصف العيون إلى تصوير أثرها في القلب. ولذلك تصلح صفحته لدراسة الغزل، وصلته بفضاء المدينة، وطريقة بناء الصورة من النظر والحوار والذكرى.

مفاتيح قراءة شعره

مختارات وشواهد

مطلع عيون المها

عُيُونُ المَهَا بَيْنَ الرُّصَافَةِ وَالجِسْرِ جَلَبْنَ الهَوَى مِنْ حَيْثُ أَدْرِي وَلَا أَدْرِي أَعَدْنَ لِيَ الشَّوْقَ القَدِيمَ وَلَمْ أَكُنْ سَلَوْتُ وَلَكِنْ زِدْنَ جَمْرًا عَلَى جَمْرِ سَلِمْنَ وَأَسْلَمْنَ القُلُوبَ كَأَنَّمَا تُشَكُّ بِأَطْرَافِ المُثَقَّفَةِ السُّمْرِ

يفتتح الشاعر قصيدته بربط الغزل بمكان محدد من بغداد: الرصافة والجسر. ومن هذا التحديد المكاني تنشأ حركة الشوق، فالنظر لا يبقى وصفًا للجمال، بل يصبح قوة تستعيد الشوق القديم وتجرح القلب كأنها أطراف الرماح.

الأهلة والخيال

وَقُلْنَ لَنَا نَحْنُ الأَهِلَّةُ إِنَّمَا تُضِيءُ لِمَنْ يَسْرِي بِلَيْلٍ وَلَا تَقْرِي فَلَا بَذْلَ إِلَّا مَا تَزَوَّدَ نَاظِرٌ وَلَا وَصْلَ إِلَّا بِالخَيَالِ الَّذِي يَسْرِي أَحِينَ أَزَحْنَ القَلْبَ عَنْ مُسْتَقَرِّهِ وَأَلْهَبْنَ مَا بَيْنَ الجَوَانِحِ وَالصَّدْرِ

يعتمد هذا الشاهد على حوار شعري يجعل المحبوبات في صورة الأهلة؛ يضئن ولا يمنحن الوصل المباشر. وتظهر رقة الغزل في تحويل الرؤية العابرة إلى زاد للناظر، ثم في جعل الخيال بديلًا وحيدًا عن اللقاء.

الصدود والمشيب

صَدَدْنَ صُدُودَ الشَّارِبِ الخَمْرَ عِنْدَمَا رَوَى نَفْسَهُ عَنْ شُرْبِهَا خِيفَةَ السُّكْرِ أَلَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُو المَشِيبُ بَدَأْنَنِي بِيَأْسٍ مُبِينٍ أَوْ جَنَحْنَ إِلَى الغَدْرِ فَإِنْ حُلْنَ أَوْ أَنْكَرْنَ عَهْدًا عَهِدْنَهُ فَغَيْرُ بَدِيعٍ لِلغَوَانِي وَلَا نُكْرِ

ينقل الشاعر التجربة من لذة النظر إلى مرارة الصدود، فيشبّه ابتعاد المحبوبات بابتعاد شارب الخمر بعد أن يخاف السكر. ويكشف ذكر المشيب عن خوف أعمق: أن يكون تبدل الحال علامة على أفول الشباب، لا مجرد تغير عابر في موقف المحبوبة.

حلاوة الهوى ومرارته

خَلِيلَيَّ مَا أَحْلَى الهَوَى وَأَمَرَّهُ وَأَعْلَمَنِي بِالحُلْوِ مِنْهُ وَبِالمُرِّ بِمَا بَيْنَنَا مِنْ حُرْمَةٍ هَلْ رَأَيْتُمَا أَرَقَّ مِنَ الشَّكْوَى وَأَقْسَى مِنَ الهَجْرِ وَأَفْضَحَ مِنْ عَيْنِ المُحِبِّ لِسِرِّهِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ أَطْلَقَتْ عَبْرَةً تَجْرِي

يلخص هذا الشاهد طبيعة الهوى عند علي بن الجهم: اجتماع الحلاوة والمرارة في تجربة واحدة. وتأتي العين في البيت الأخير دليلًا على عجز المحب عن كتمان سره؛ فالبكاء يفضح ما تحاول اللغة أن تستره.

مراجع تراثية مقترحة

لضبط الشواهد ونسبتها ومقارنة السمات الفنية، تُراجع الدواوين والشروح وكتب الطبقات والتراجم القديمة بحسب عصر الشاعر، مثل: طبقات فحول الشعراء لابن سلام الجمحي، والشعر والشعراء لابن قتيبة، وجمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي، والمفضليات للمفضل الضبي، والعمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رشيق، ويتيمة الدهر للثعالبي، ووفيات الأعيان لابن خلكان، ونفح الطيب للمقري. وللشعراء المتأخرين أو المحدثين تُستفاد هذه المراجع في مقارنة الأوزان والأغراض والأساليب لا في توثيق أخبارهم الحديثة.